احتجاجات إيران.. غضب متراكم في كرماشان يواجه القمع الأمني بذكريات سابقة

احتجاجات إيران.. غضب متراكم في كرماشان يواجه القمع الأمني بذكريات سابقة
احتجاجات إيران

لم تكن الاحتجاجات الأخيرة في كرماشان بإيران انفجارًا مفاجئًا، بل جاءت تتويجاً لغضبٍ طويل الأمد تَشكّل عبر طبقات متداخلة من الإخفاقات البنيوية، والقمع المستمر، والفقر الممنهج، والإهانات اليومية. 

تحوّلت الشوارع في هذه الجولة من الاحتجاجات من مجرد فضاء للتظاهر إلى ساحة لاستعادة “حق الوجود”، فالجيل الذي قُمِع في انتفاضات 2009 و2019 يعود اليوم بذاكرة مثقلة بالجراح، لكن أكثر تنظيمًا، بحسب ما ذكرت وكالة "أنباء المرأة"، الخميس. 

نساء، طلاب، قوميات، وطبقات مهمّشة، يقفون هذه المرة في ترابط احتجاجي عميق، لا كفئات منفصلة، بل كجسم اجتماعي واحد في مواجهة السلطة.

ديزل‌ آباد رمز للقمع

تكشف التقارير الواردة من حي ديزل‌ آباد، الواقع في القسم الجنوبي من كرماشان، حجم المأزق الذي تعيشه الدولة في تعاملها مع الاحتجاجات. 

ولجأت القوات الأمنية إلى إطلاق النار المباشر، ليس فقط على المتظاهرين، بل حتى على أصحاب المحال الذين أغلقوا متاجرهم احتجاجًا على التضخم والبطالة

ويُعرف هذا الحي باسم “سجن ديزل‌ آباد”، وهو المكان الذي اعتُقل وأُعدم فيه العديد من المناضلين الكرد عبر العقود، ما جعله رمزًا حيًا لذاكرة القمع السياسي في المدينة.

ويُعدّ هذا الحي من أكثر مناطق كرماشان تهميشًا، حيث تتقاطع البطالة المزمنة والفقر والتمييز القومي–العرقي، لتُنتج بيئة مشحونة بالسخط المتراكم. 

ومع انطلاق الاحتجاجات أواخر كانون الأول ديسمبر، تحوّلت هذه الأزمات البنيوية إلى حركة احتجاجية شاملة، كان ديزل‌ آباد في طليعتها.

تاريخ من الانتفاضات

شهدت كرماشان مرارًا موجات احتجاج وقمع، ففي احتجاجات 2017، خرج آلاف المواطنين بشعارات ضد الفقر والبطالة، وانتهت المواجهات بسقوط قتلى في أنحاء البلاد، وكان للمدينة نصيب بارز من الضحايا.

وفي “نوفمبر الدامي” عام 2019، بلغت شدة القمع ذروتها، إذ أطلقت القوات الأمنية الرصاص الحي مباشرة على المتظاهرين، وسُجّلت في كرماشان معدلات عنف مرتفعة قياسًا بعدد السكان.

وعادت المدينة لتكون ساحة مواجهة خلال انتفاضة 2022 تحت شعار "المرأة.. الحياة.. الحرية"، حيث تحوّلت أحياؤها إلى معاقل للمقاومة، وبرزت أسماء تحولت إلى رموز للصمود. 

ويشير مراقبون إلى أن تعامل السلطة في كرماشان يتسم بـ“العسكرة الفجّة”، مقارنة بالمدن المركزية، في تعبير عن نظرة تمييزية متجذّرة تجاه المناطق الكردية.

الاقتصاد وقود الاحتجاج

تقف كرماشان، رغم إمكاناتها الزراعية والتجارية، في صدارة مؤشرات البطالة والبؤس في إيران، فمعدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب، تتجاوز المتوسط الوطني باستمرار، بينما يسحق التضخم الطبقة الوسطى ويدفع شرائح واسعة إلى ما دون خط الفقر. 

ويرى منتقدون أن هذا الواقع ليس خللًا اقتصاديًا عابرًا، بل نتاج سياسات مقصودة لإبقاء المناطق الحدودية في حالة ضعف دائم.

وتُظهر هذه المعطيات أن كرماشان ليست هامشًا، بل واجهة لفشل بنية الحكم في الاستجابة لمطالب مجتمع يطالب بالكرامة والعدالة، فمن الزنازين الانفرادية في ديزل‌ آباد إلى الدماء في الشوارع، تتكرّس صورة مدينة تقف في قلب المواجهة، حيث يتحول القمع المتكرر إلى وقود جديد للاحتجاج، وتبقى الذاكرة الجماعية أقوى من أدوات الإخضاع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية